الثلاثاء , 7 أبريل 2020
Home / Uncategorized / أخبار رئيسية / ليلة عيد في حضن فيروس كوڤيد 19

ليلة عيد في حضن فيروس كوڤيد 19

 مونية علالي

كانت الساعة تشير إلى العاشرة والنصف ليلا، وبعد يوم شاق، كان منقوعا بالكثير من الضغط النفسي لاسيما وأني امرأة طبيعتها وجِبِلَّتُها تعشق الانتظام والنظام إلى حد الرتابة. من هنا يبقى بَديهِيًّا ألا أستوعب المتغيرات المفاجئة إلا بعد أخذ الوقت الكافي، والوصول إلى مرحلة التملي.. وجدت نفسي وبدون سابق إعلام أن كل شيء حولي يتغير،…

فبعد أن كان بعض من عملي بطريقة معينة، بين عشية وضحاها أصبح كله عن بعد، اختفى من حولي مجموعة من الطلبة الذين تعودت لقاءهم كل سبت…

وانا أرزح تحت نِيرِ التعب المتراكم، وفرارا من ضغط اللحظة إذ كنت اتوجس كل ساعة أن أسمع أخبارا لا تعجبني، ولكن في قناعتي الداخلية العميقة أعرف أن الأمر ليس خطيرا جدا. بدأت أتصفح بعض المواقع الجادة التي تروقني فرارا من الروتين، ورغبة في تأثيث الزمن.

فجأة بدا لي تصريح صديق حميم على عمود يقول فيه أن المنطقة التي أسكن بها وهي تبعد عن عملي بمائتين وخمسين كيلومتر سوف تصبح منطقة محضورة صحيا ويمنع فيها الخروج والدخول بسبب الفيروس كوڤيد-19

كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟ والاستثناءات؟ ؟؟.. لم يحدث قط في تاريخ الجمهورية الإيطالية، منذ إعلانها في 2 يونيو 1946 عن استثناء كهذا، بعد عشرين عاماً من الفاشية وخمس سنوات من الحرب العالمية الكارثية والاحتلال النازي، لم يتم تطبيق التدابير التقييدية على الحق في التنقل والاستقرار في أي مكان فيها.

حضر التنقل وتقييد الدخول والدخول لنحو ستة عشر مليون شخص، بقرار رئاسي يكاد ينزل في ساعات متأخرة من الليل أي في جنح الظلام حيث جُهزت المسودة وسيتم توقيعه في نفس الليلة أمر … لماذا كل هذا الاستعجال؟؟؟ لم أقدر على استيعاب الموضوع وضاق عقلي بالخبر. ما فتئت أتساءل عن لغز الحكاية.!!! هل هي حسابات دقيقة وعلى مستوى عال من التعقيد والتركيب؟ هل هي خطة حسبها المدبرون مدروسة لكنها فلتت منها بعض الحسابات…؟؟؟هل فعلا أننا أمام كارثة إنسانية…

كم هو مضحك أمرنا. حين بدأ الموضوع في الصين كنت أستصغره، لا أضع أطرح أي سؤال حوله ظنا مني أنه هناك وسيظل كذلك. لم احسب حسابا لموضوع العولمة الحالية وكم تربط عوالمنا رغم تباعدها!!! ها هو نفس الموضوع يدق باب بلدي وبيتي، بل وغرفتي وينزل ضيفا ثقيلا على صدري…حكمة الله في خلقه… فهو نفس المشكل وقد نختلف في التعامل معه فقط هو الآن يعنينا مباشرة ويعني كي قريب منا…

لم أتمالك أعصابي، فأخدت الهاتف لأكلم في هذه الحال أرقاما أظن أصحابها يتملكون المعلومة الصحيحة علَّها تسعفني في اتخاذ بعض التدابير، هم من سيطلعونني على حقيقة وصدق ما يدور، فقررت أن أبدأ من البداية وأن أكلم “بينو” صاحب المقال الذي عكر صفو لحظتي. أكد لي هذا الأخير أن ما يدور الآن في دهاليز الصحافة هو مجرد مسودة لكنها غالبا ما ستوقع من طرف رئيس الحكومة، وستصبح مفعلة في الساعات القريبة المقبلة، صدقته بدون مقاومة. عَلِّي اثق في حسه ورؤاه المستقبلية إذ كانت دائما صائبة، فهو متتبع للتفاصيل ومدقق فيها، وتحليلاته السياسية كانت دائما عقلانية ومنطقية على الأقل في نظري، نعم خبرته كثيرا حين كان يعمل بجانبي ولمدة أربع سنوات متكاملة، عملنا بجدية وجنون، كنا نستقبل آلاف اللاجئين القادمين من لبيا، في المطارات وفي محطات القطار وفي الحافلات والموانئ… لم يكن لركضنا حدود، ولم نعرف معنى التعب ولا العياء… كان حسه الإنساني جد مرتفع وصادق، لم يكن متدينا… ولا مسترزقا ولم يكن أيضا شريرا… بقدر ما كان خيرا.

رد بعد رنات قليلة على مكالمتي، تحيتي له كانت قصيرة وغير معتادة بالنسبة اليه، أراد أن يتمادى في السؤال عن أحوالي لأنه مر وقت طويل لم نتحدث فيه عن مستجداتنا، لكن نبرة صوتي وخصوصا حين نطقت إسم إبني الذي كان يعرفه جيدا، وذكرت المطار وباريس وإقفال الحدود ورئيس الحكومة… فهم أنه يلزمه التركيز معي فيما أحتاجه، رد على اسئلتي الحائرة، فأكد بنبرة حاسمة انه الأحسن لإبني أن يغادر مهما كلف الأمر، ويغادر حالًا وبلا تتردد ودعا لي ولإبني بالتوفيق والسداد… تكلم وهو متأكد مما يقول. ربما ارتفع منسوب التأكيد عما كتبه في المقال.

ارتعشت أناملي وهي تبحث عن الرقم الثاني الذي كان بالنسبة الي يحمل اليقين بكل جلاء، لأنه قريب من كواليس رئاسة الحكومة، مسؤول في الدرك الجمهوري، كان يسكن في نفس الشارع الذي غادرته منذ ثلاثة أشهر، اتصلت به، وبعد رنة الهاتف أقفلت المكالمة في وجهي. أقدر رد الفعل هذا، هو رجل دولة والحالة طوارئ في البلاد والأولويات كثيرة… كتبت له أطلب منه أن يرد علي لأن الأمر مستعجل.

فعلا تم ذلك بعد دقيقتين من الرسالة. كان منزعجا من تواصلي ونبرة صوته تنوب عنه في إبراز انزعاجه، لكنه رد من باب اللياقة الاجتماعية وأدب الجار أولًا ومن باب الصداقة ثانيًا فقد تلذذ بأطباق الكسكس كثيرا في بيتي، وشرب الشاي أكثر من مرة مع الأسرة… رد “ريكاردو” وأكد لي أن المسودة ستصبح قرارا رسميا مع بعض التغييرات البسيطة وذلك سيكون في الساعات القليلة المقبلة.
انتهت المكالمة بصيغة شكر قصير وعفو أقصر منها فكلانا كان له ما يقوم به في عجلة وسرعة…

حينها التفت إلى نفسي وجدتني انظر الى المرآة فبدت الاصفرار يعلو وجهي وانا اردد: الآن علي الاتصال بإبني المنغمس في عشاء مع الأصدقاء، يحتفون به بعد طول غياب فهو مقيم منذ ثلاث سنين بباريس ولا يزور إيطاليا الا لِماماً وهم يودعونه لأنه سيغادر في الغد بعد تقصير عطلته التي اضطربت كثيرا بسبب المستجدات الإعلامية والفوضى الإخبارية والعشوائية الإجتماعية والسياسية المنتشرة في كل مكان. لم يكن يدري ما يجري حوله، ففضل تعجيل السفر. لملمت أنفاسي واخفيت توثري في غياهب أعماقي لكيلا يسيطر علي الهلع مما قد يفسد المكالمة ولكي لا أظهر الحزن والإحباط والتذمر والغضب… وهي الأحاسيس المسيطرة علي في تلك اللحظة لاسيما بعدما تمثلت الوضع جيدا. فانا بعيدة عن منزلي حيث أختي الصغيرة لوحدها. وابني يجب أن يعود لباريس قبل أن تقفل عليه الحدود وانا يجب أن أعود… ثابتة أفراد من أسرة صغيرة كل واحد في زاوية وسيحاصر فيها… على الأقل لو كنا مجتمعين في مكان واحد… نتقاسم المصير… ركبت رقمه فأجابني توا وكأنه كان ينتظر مكالمتي.
– بونا سيرا أَموري؛
– بونا سيرا مامّا؛
– كيف تمشي الأمور مع الأصدقاء؟
– بخير، نتعشى بيتزا في البيت، متى ستعودين؟
– سأرى… ربما غدا أو بعد غد، حسب الطوارئ وإذا تركتنا الأخبار نعيش بشكل طبيعي.
– أي طوارئ؟ هل من جديد؟
– هناك مسودة من رئيس الحكومة تسربت من CNN… تقول أن حتى مدينتا ستصبح منطقة محاصرة صحيا.
– ماذا تقولين!!؟
– هي الحقيقة وقد ينفذ القرار بعد ساعة من الآن.
– ما العمل إذا؟
– عليك المغادرة الآن. فليوصلك أحد أصدقائك أو خذ السيارة واتركها في المطار.
– بسرعة وارتباك واضحين قال، حسنا سأتكلم مع صديقي وأرد عليك…
– لا تنس شيئًا من أغراضك وكلمني حين تجهز لأتابع معك، فقد تكون هناك دوريات في الطريق أو أي شيء من هذا القبيل… لا بد أن اتابع معك.
– حسنا اتصل بك فيما بعد…
لم يمر على قدومه لقضاء العطلة أسبوع كامل، كان من المفترض أن يقضي أسبوعين، اضطرته حالة الهستيريا المنتشرة في البلاد إلى تغيير تذكرة العودة وكان من المفترض أن يغادر يوم غد، لكن لأشيء يضمن ألا يفرض الحصار الصحي هذه الليلة وبذلك قد يفقد عمله في باريس… ويفقد أيضا الشقة الجديدة التي من المفروض أن يوقع عقدها الأسبوع القادم. أحسن حل أن يقضي ليلته في فندق المطار. هكذا خططنا وكذلك كان بمساعدة أصدقائه الذين رافقوه. تنفست الصعداء حين وصل إلى بولونيا ودبر أمره… فاطمأنت عليه نفسي فقلب الام يضيع في التفاصيل ويستحضر المشاكل بكل أنواعها في الأوقات الحرجة.

عدت لأفكر في مشكلتي أنا الموزعة على منطقتين، عملي في منطقة سكني في أخرى وكلاهما منطقة في لائحة الحصار الصحي، فأي المناطق انسب؟؟🤔🤔. أما وقد وصل إبني إلى حيث ضمنت له إمكانية خروجه من إيطاليا بسلام ليعود إلى عمله، وحياته، فأنا سأختار حلا وكيف ما كانت الوضعية لو أغلقوا الحدود سأكون صحبة قلمي… وستكون الفرصة مواتية للقراءة والكتابة. رغم أن الحصار والوباء لا يشجعان إلا على التوتر والخوف.

تذكرت عيد المرأة فضحكت بخبث وقلت لا العيد عيدي ولا أجواؤه تلبسني، ونسيت أن أصل هذا العيد هو نضال وصمود من أجل العدالة الاجتماعية… نضال قادته نساء من امريكا ضد الاستغلال ومن أجل الكرامة. فتطور الأمر إلى حد الانزلاق… فأصبح فرصة لإهداء الورود بكل أسمائها، والعطور بكل أصنافها، والحلوى بكل تلاوينها. ولم يبق من يناضل من أجل حماية اجتماعية عادلة تحمي النساء والرجال على حد سواء من وباء لم يجدوا له دواء بعد… ولربما لن يجدوه إلا بعد أن يدمر نصف البشرية أو ثلتها، بقيت ونفسي في تدبر… أتساءل مرة وبصوت عال وما المانع؟ فكل واحد لوحده يتخيل نهايته.

كم هو هش هذا العالم الذي تخيلناه ذات يوم يحمينا ويضمن تعافينا إذا ما ابْتٌلينا. ولكم فسرنا هجرتنا ودافعنا عنها بحثا عن التغطية الصحية والحماية الاجتماعية… فماذا ستجدينا اليوم والدواء مفقود… ما الفرق الآن بين الشمال والجنوب… ما الفرق بين العالم الثالث والعالم المتحضر؟؟؟ ماذا نفع الصين التي اغتنت من الاقتصاديات؟؟؟ وإيران التي رفعت التحدي في وجه دركي العالم أمريكا؟؟؟ تساوى الجميع… كل البلدان تدعو لإلغاء التجمعات لا سيما تلك التي تتعدى الألف… وفرنسا تنهح نهج المغرب في عدم الاختلاط وحضر التنقل… الوصفة الوحيدة علاوة على غسل اليدين خمس مرات في اليوم هي عدم المصافحة والاكتفاء بالتلويح من بعيد والمحافظة على مسافة متر بينك وبين الآخر…
إنها ليلة ليلاء مع كوڤيد-19 وقانا الله منه…

Check Also

عمليات تدبير نقل سجناء بوركايز ورأس الماء إلى وجهتهم النهائية تحت مجهر إدارة نشر ماروك 24 ميديا

 هشام التواتي مدير نشر ماروك 24 ميديا كيف مرت أجواء الإفراج عن المعتقلين المتمتعين بالعفو …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *