آخر الأخبار

صعوبات تطبيق إجراءات التقاضي عن بعد في زمان كورونا

صعوبات تطبيق إجراءات التقاضي عن بعد في زمان كورونا

ماروك 24 ميديا

بتاريخ 22 ابريل 2020 أعلن وزير العدل خلال اجتماع للجنة العدل والتشريع عن انطلاق عملية التقاضي عن بعد، وذلك في إطار الإجراءات الاحترازية لكبح تفشي فيروس كورونا، وفي نفس اليوم ترأس مستشار وزير العدل اجتماع عبر تقنية فيديو كونفرانس مع رؤساء كتابة الضبط والمدراء الفرعيون حول موضوع كيفية التعامل مع ملفات المعتقلين الاحتياطيين، وبهدف إيجاد طريقة لتفعيل القرار القاضي بانعقاد جلسة يتم من خلالها التأكد من هوية المتهم بعد إحضاره إلى قاعة في السجن مخصصة لهذا الغرض مزودة بشاشات وكاميرات تمكنه من الرؤية والتفاعل مع هيئة الحكم المنعقدة بالمحكمة، باستثناء كاتب الجلسة الذي يكون حاضر بالسجن إلى جانب المتهم لتحرير محضر الجلسة.

هذا القرار الذي اتخذ بناء على الاتفاق الذي تم بين وزارة العدل ورئاسة النيابة العامة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية وكذا المندوبية العامة لإدارة السجون، يثير سؤال جوهري حول القيمة القانونية المضافة للمحاكمة بانتقال كاتب الجلسة إلى السجن دون باقي أعضاء هيئة الحكم؛ ثم ما هي المحددات القانونية التي توجب انتقال احد موظفي هيئة كاتبة الضبط دون أعضاء الهيئة القضائية؟ وما هي الحكمة أو الفائدة القانونية من هذا الإجراء الذي يشكل خروجا عن مقتضيات قانون المسطرة الجنائية وتعديا على اختصاصات الهيئة القضائية؟ ثم ما هي الصعوبات التي حالت دون تفعيل القرار والدفع بوزارة العدل إلى التراجع عن تطبيق إجراء انتقال كاتب الجلسة دون باقي أعضاء الهيئة القضائية إلى المؤسسة السجنية لتفادي انتشار وباء كورونا؟

أولا: الصعوبات الواقعية
أول صعوبة اعترت تفعيل القرار المذكور هو احتجاج النقابة الديمقراطية للعدل عبر بلاغ صادر عن المكتب الوطني للنقابة ترفض من خلاله إجراء انتداب احد موظفي هيئة كتابة الضبط إلى السجن دون باقي أعضاء هيئة الحكم.

بالإضافة إلى أن تفشي وباء “كورونا”، أثار بالمؤسسات السجنية وضعا خاصا، دفع بالمؤسسة السجنية إلى سن مجموعة من الإجراءات الخاصة بموظفي السجون، منها العمل لمدة 15 يوما متتالية، والخضوع للحجر الصحي لمدة 15 يوما أخرى، حماية لعائلاتهم والسجناء وزملائهم في العمل، وبالتالي، لا يمكن إلغاء هذه الإجراءات الاحترازية كاملة، سيما أن كاتب الضبط سيتوجه صوب المؤسسة السجنية ويشرف على الجلسات عن بعد لوحده، دون باقي مكونات هيأة الحكم( ). مما يفسر استحالة تفعيل الإجراء المذكور ينبني على نفس الأسباب التي دفعت إلى تقريره ألا هو الحد من تفشي وباء كورونا.

كما أن ترأس مستشار وزير العدل لاجتماع ذو طبيعة إدارية والتوجيه والتقرير في اختصاصات هيئة ينظم القانون اختصاصاتها هو إجراء باطل يؤدي إلى بطلان جميع الآثار المترتبة عنه، مع العلم أن ديوان الوزير يعتبر جهازا سياسيا استشاريا مكلف بإعداد سياسات القطاع وإنجاز الدراسات ذات التوجه العام، كما يتتبع المسائل ذات الطابع السياسي أو الخاص التي لا تندرج ضمن اختصاصات الهياكل الأخرى للوزارة، ويسهر على تنظيم التظاهرات التي يرأسها الوزير، وينشر المعلومات المتعلقة بالوزير وأنشطة الوزارة.

بالإضافة إلى أن قرار التقاضي عن بعد في مجمله لم يكن محل إجماع من طرف هيئات المحامين بالمغرب لمساسها بمبدأ الحضورية والتواجهية وبضمانات المحاكمة العادلة، ناهيك عن ضرورة التخابر مع المتهمين( ).

أيضا هذا القرار اتخذه وزير العدل بالتشاور فقط مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية، النيابة العامة وإدارة السجون دون مشاركة هيئة كتابة الضبط وهيئات المحامين، مما يجعل منه قرارا متسرعا لم يأخذ في الاعتبار رؤية باقي المتدخلين، وفي تجاهل تام للمقاربة التشاركية والحكامة القضائية التي يتطلبها التدبير الجيد للمرحلة.

كما أن هذا الإجراء غير قانوني ومخالف لقواعد المسطرة الجنائية، لأن كيفية انعقاد الجلسة وسيرها منظمة بمقتضى قانون المسطرة الجنائية، وبالتالي لا يمكن إحداث واقع بعيد عن نص قانوني مؤطر لهذه العملية، مما يفسر وجود صعوبة قانونية تمنع تفعيل الإجراء المذكور، خاصة وان المادة 751 من ق.م.ج تنص على انه ” كل إجراء يأمر به هذا القانون ولم يثبت انجازه على الوجه القانوني يعد كأنه لم يكن”.

ثانيا: الصعوبات القانونية
إن القرار المتراجع عنه يمكن وصفه بكونه تنظيمي يتشابه إلى حد كبير مع القانون في انطوائه على قواعد عامة ومجردة، إلا انه من ناحية القوة القانونية لتلك الأعمال والتصرفات التنظيمية فهي اقل درجة من القانون، وتبعا لذلك يجوز للقانون التأثير في تلك الأعمال التنظيمية، ولا يجوز العكس( ).

بمعنى انه لا يجوز إقرار هذا الإجراء بقرار صادر عن وزير العدل الذي هو اقل درجة من القانون الذي ينظم اجراءات سير المحاكمة، وبالتالي لا اجتهاد مع وجود نص، خاصة إذا ما استحضرنا المادة 374 من ق.م.ج التي تنص على أن المحكمة تعقد جلساتها بقاض وبحضور ممثل النيابة العامة ومساعدة كاتب الضبط، ويترتب البطلان عن الإخلال بهذه المقتضيات.

ما يلاحظ من خلال تفحص نصوص قانون المسطرة الجنائية انه لا يوجد نص قانوني ينص على انتقال احد موظفي هيئة كتابة الضبط إلى السجن وتحرير محضر للإجراءات المتخذة خلال المحاكمة إلا في حالتين استثنائتين مرتبطتين بحالة الضرورة( ):
الحالة الأولى: وهي حالة الفقرة الرابعة من الفصل 312 من ق.م.ج التي تنص:”غير أنه إذا كان المتهم في وضعية صحية يتعذر عليه فيها حضور الجلسة، ووجدت أسباب خطيرة لا يمكن معها تأجيل الحكم في القضية، فإن المحكمة تكلف بمقتضى مقرر خاص ومعلل أحد أعضائها بمساعدة كاتب الضبط، لاستنطاق المتهم في المكان الذي يوجد به”.
فمقتضيات هذه الفقرة صريحة لا تحتمل أي تأويل أو اجتهاد حيث تنص على تنقل كاتب الضبط رفقة احد أعضاء الهيئة القضائية التي تنظر في القضية في حالة تعذر المتهم الحضور للأسباب الواردة في الفصل المذكور.

الحالة الثانية: وهي حالة الفصل 358 من ق.م.ج التي جاء فيها: “إذا كان المتهم هو نفسه الذي احدث الاضطراب أمر رئيس المحكمة بطرده من الجلسة، فإذا كان المتهم معتقلا نقل إلى المؤسسة السجنية، ويتعين على كاتب الضبط عند الاقتضاء أن ينتقل عقب الجلسة إلى هذه المؤسسة ويتلو عليه محضر المناقشات وملتمسات النيابة العامة وكذا الأحكام والقرارات التمهيدية الصادرة منذ طرده…”.
بالإضافة إلى ذلك فإن قانون المسطرة الجنائية له ارتباط وثيق بحقوق الأفراد وحرياتهم وانه ينص صراحة على الحضور الشخصي للمتهم أمام هيئة الحكم سواء كانت القضية جاهزة للحكم أو غير جاهزة، وذلك وفق مقتضيات المادة 315 من نفس القانون والفقرة الثانية من المادة 314، وكذا المادة 312 من ق. م. .ج في فقرتها الأولى.

ويتجلى أيضا بطلان القرار حتى في مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية فيما يتعلق بتنظيم محاكمة المتهم عن بعد، بحيث تسند المادة 6-347 مهمة الإشراف على العملية في المكتب المحدث بالسجن إلى قاضي تكلفه الهيئة القضائية بمساعدة كاتب الضبط وبحضور ممثل النيابة العامة وموظف يعمل بالمؤسسة السجنية، ولا تسمح بانتداب كاتب الضبط وحده، وتضيف المادة 7-347 بأنه ” إذا تعلق الأمر بشخص معتقل أمكن للهيئة القضائية بعد اخذ رأي النيابة العامة الاستماع إليه أو استنطاقه أو اخذ تصريحاته باستعمال تقنية الاتصال عن بعد…”.

يتبين إذن ومن خلال هذا التبسيط المختصر انه ما من داعي إلى انتقال كاتب الجلسة إلى السجن وعدم البقاء رفقة هيئة الحكم وتحرير محضر الجلسة، ما يعني أن هذا الاجتهاد كان سيكون له تداعيات خطيرة على مبدأ شرعية الإجراءات الجنائية الذي يعتبر أحد صور الشرعية الجنائية بوجه عام.

كما أن معالجة ظروف الاكتضاض بالمؤسسات السجنية لا يمكن أن يكون على حساب القانون، بل كان على وزارة العدل اللجوء إلى الإجراءات البديلة وحث النيابة العامة على متابعة من يتم تقديمهم أمامها في حالة سراح، وحث القضاة الاستجابة لملتمسات السراح المؤقت.

أيضا يمكن إيجاد حل للفراغ القانوني الذي يشوب عملية التقاضي عن بعد عن طريق صيغة توافقية واعتماد مقاربة تشاركية مع جميع مكونات المنظومة القضائية.

عبد العزيز الأحمدي
دكتور في الحقوق – منتدب قضائي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *