الخميس , 20 فبراير 2020
Home / Uncategorized / أخبار رئيسية / الفارس والمعجبة

الفارس والمعجبة

حفيظة تجمامت

بم سأفتتح الكلام؟ أو بم سأنهيه؟ نفكر في النهاية حين يكثر الكلام وتخبو الصور دون أن نتلمس نقطة البدء؛ نقطة الولادة، لا نعرف سوى هذا الركام الذي نختزله في تنهيدة؛ تنهيدة يحرقنا شهيقها وزفيرها، يصعد الصدر صعود اختناق وانقضاء نفس، ويهبط دون أن نفرغ حقيقة احتراقنا.لكني سأفتتح الكلام بأحلامي الصغيرة التي أضحت أحلاما كبيرة، آه حين تكبر الأحلام الصغيرة، تصغر في أعيننا الدنيا وتضيق، ويصغر الرفاق الذين حلمنا معهم بداية الأمر أحلاما صغيرة…

كنت أنظر إلى وجه والدي، فأجد خطوطا، منها البارز العريض والدقيق الخفي، فأتساءل: كيف عبر أبي كل هاته الطرقات والمنعرجات إلي، دون أن أعرج على وجهة منها؟ منا. أنا وهو: هو الفارس، وأنا المعجبة. حاولت أن أجعلها معبدة بأسئلة بلهاء، نوجهها دائما “لِنَاسْ زْمَانْ” أو “الناسْ لْقْدَامْ”، فكان يجيب بضحكته المعهودة التي لا تخلو من سخرية: “حْنَا بْوْقْتْنَا، وْنْتُوما بْوْقْتْكُومْ” جدار إسمنتي صلب، كان يشعرني أنه رجل صلب، بل أكثر من صلب؛ رجل بارد جامد لكنه لا يذوب أو يكسر. أشعر بانكساره حين يحكي عن والدته، أو بالأحرى عن الأطياف المتبقية منها، وكنت ألمس حزنه أكثر حين لا يجد ما يحكيه عن والده، كونه توفي وهو لم يصرخ بعد صرخة الحياة.

كان وحيدا كما أنا، كانت وحدتي تتعمق بوحدته، فلا أجد غير طريق وعرة المسالك يصعب مجابهة وعورتها، ومع ذلك كنت أرتمي غير ما مرة في حضنه ممسكة يده، معلنة أني هنا، أني موجودة. أجل أنا موجودة رغم ما بيننا من مسافات، رغم أنك لا تنتمي لعالمي كما لا أنتمي لعالمك.

هراء: دماؤنا، عروقنا، أراني في عينيك وأرى حنانا؛ حنانك الذي أخرسته السنون. أراك الآن بوضوح أكثر وبمختلف الألوان، أبيضك وأسودك، وقزحية عالمنا على حد قولك.

ها أنذا ألملم أشلائي وأشلاءك، أسحبك سحبا لننصهر سويا، لنكون نسمة حب معلنة دون نواميس تنجب الخواء والعدم…

ويدفعني شوقي إليك إلى البكاء حينا، وإلى الصمت المعتق بالذكرى حينا آخر، وإلى ابتسامة ممزوجة بملوحة دمعي أحيانا أخرى… كل هذا التدافع الزمني قاس أبي “بَابَايْنُو” ، قاس حد الاختناق، حد الانكسار… أتيه في الظلام وأنا مغمضة العينين في تقاسيمك، تهرب مني تفاصيلك، تلك التي كنت أحفظها وأنت هنا. أما وأنت هناك فلا يسعفني في تلمسها غير نور الصور؛ صورتك التي صاحبتها، صاحبتني، خادمتي الكتوم. وكم يزيد اشتياقي إليك كلما نظرت إلى صورتك، إذ تتملكني رغبة الارتماء في حضنك، رغبة البوح بحبك، رغبة البكاء والضحك، الصراخ والسكون؛ سكون يفضي إلى الحياة، آآآه كم هو قاس الموت… موت البدايات مر، وموت النهاية أمر…

Check Also

الطرد التعسفي لعمال شركة GMC…..

على اثر الطرد التعسفي الذي تعرض له عمال شركة GMC في محاولة من الشركة للتسريح …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *